صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
14
تفسير القرآن الكريم
من يحذو حذوه ، لأن الأنوار المحسوسة كلّها زائلة دائرة تنقص وتدثر عند عروض الشيب والموت ، ثمّ لم يبق لهم نور أصلا ، لا نور الحواسّ لزوالها عند الموت ، ولا نور الايمان والمعرفة ، لعدم اكتسابهم له ، فلا جرم تركوا في ظلمات الموت والجهالة وغيرها كظلمة الكفر وظلمة النفاق وظلمة الضلال وظلمة سخط اللّه وظلمة يوم القيمة وظلمة عذاب السرمد ، كأنها ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض ، فلا يبصرون شيئا وسلبت قواهم وجوارحهم كلّها فلا سمع ولا نطق ولا بصر كما لا اذن ولا لسان ولا عين ، فهم صمّ بكم عمي لا يرجعون ، لأنّ الرجوع إلى الفطرة الأولى من الممتنعات والممتنع لا يكون مقدورا أصلا . فالآية مثل ضربه اللّه لمن آتاه ضربا من الهدى فأضاعه ولم يتوصّل به إلى نعيم الأبد وسعادة السرمد فبقي متحيّرا متحسّرا في ظلمة لا أوحش منها مسلوب الحواسّ والآلات تقريرا وتوضيحا لما تضمّنه الآية الأولى . ويدخل تحت عمومه هؤلاء المنافقين وكلّ من آثر الضلالة على الهدى المجعول له بالفطرة الأولى ، ويمكن أن يكون المراد من قوله فلمّا أضاءت ما حوله ، إنّ الرجل المنافق قد يكون من أهل الوعظ والتذكير يستضيء بنور وعظه وتذكيره حواليه من المستمعين وهو نفسه لا ينتقع بما يقوله ولا يعمل به ، كما قيل « 1 » : « مثل العالم بأمر اللّه غير العالم باللّه كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء غيره » وفي الحديث عنه « 2 » : إنّ اللّه يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر . فهذا ما تيسّر لنا في فهم هذه الآية بفضل اللّه ، ولنرجع إلى حلّ الألفاظ وما ذكره المفسّرون إنشاء اللّه .
--> ( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي : 1 / 397 . ( 2 ) البخاري : كتاب القدر : 8 / 355 .